Uncategorizedالأخبارجديد الأنشطةمقالات

عصرنة العاصمة في غياب عصرنة الدولة/ سيدي عيلال

إن برنامج عصرنة نواكشوط، مهما كانت عناوينه ومشاريعه وطموحاته العمرانية، ينبغي ألا يُقيَّم بما يَعِد به من مظاهر التحديث، ولا بما قد يضيفه من منشآت وطرق وواجهات حضرية، وإنما بما يحدثه من تغيير ملموس في حياة المواطنين، وبما يعالجه من اختلالات ظلت تؤرق العاصمة وسكانها منذ سنوات.
فالعصرنة ليست مجرد إسفلت وأرصفة وإنارة وطلاء للواجهات، وليست سباقاً في تشييد المنشآت أو تحسين الصورة الخارجية للمدينة. إنها، قبل كل شيء، قدرة الدولة على توفير شروط الحياة الكريمة، وصيانة كرامة المواطن، وضمان الخدمات الأساسية، وإقامة مؤسسات تحترم القانون وتخضع للمساءلة.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الجوهري ليس: كم ستُنفق الدولة على عصرنة نواكشوط؟ بل: ما جدوى عصرنة مدينة تتراكم القمامة في أحيائها، ويغيب الصرف الصحي عن مساحات واسعة منها، ويعاني سكانها من العطش وانقطاعات الكهرباء، فيما تتراجع القدرة الشرائية للأسر، وتتآكل جودة الخدمات التعليمية والصحية؟
والأكثر إثارة للتساؤل أن هذه الاختلالات لا تقف عند حدود الخدمات المحلية، بل تمتد إلى طبيعة إدارة الشأن العام، ومدى احترام القانون والدستور، وحماية الحريات، ومكافحة الفساد، وترشيد الإنفاق العمومي.
فلا يمكن الحديث عن عصرنة حقيقية في ظل تراجع الثقة بالمؤسسات، أو اعتبار تحديث المدينة بديلاً عن تحديث الدولة، أو تقديم المظهر العمراني على جوهر الإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي.
وهنا أرى ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات:
* عصرنة المجال الحضري: وتشمل الطرق والجسور والإنارة والحدائق والنظافة والصرف الصحي، وهي أمور مهمة ولا ينبغي التقليل من قيمتها.
* عصرنة الخدمات والمؤسسات: وتعني توفير الماء والكهرباء، وتحسين التعليم والصحة، وتطوير الإدارة، وضمان جودة الخدمات واستمراريتها.
* عصرنة الدولة والحياة العامة: وهي الأعمق والأكثر أهمية، وتشمل احترام الدستور، وصيانة الحريات، واستقلال المؤسسات، وتطبيق القانون على الجميع، ومحاربة الفساد دون انتقائية.
وإذا تقدمت الدولة في المستوى الأول، بينما ظلت متعثرة في المستويين الآخرين، فإن ما يتحقق لا يعدو أن يكون تحديثاً جزئياً للمشهد العمراني، وليس نهضة تنموية متكاملة.
ومن الإنصاف أيضاً الاعتراف بأن البرنامج يتضمن مشاريع تستحق التنفيذ والتقدير. فالمرحلة الثانية، التي أُعلن إطلاقها يوم 5 نوفمبر 2026، رُصد لها 115 مليار أوقية قديمة، وتتضمن مشاريع للطرق والجسور والمياه والصرف الصحي والتعليم والصحة والكهرباء. كما أعلنت الحكومة عن حصيلة للمرحلة الأولى تضمنت إنجاز 1335 حجرة دراسية و145.3 كيلومتراً من الطرق الحضرية. وهذه معطيات رسمية ينبغي أن تُناقش وتُختبر ميدانياً، لا أن تُرفض لمجرد الاختلاف السياسي.
لكن الإعلان عن المشاريع شيء، وإنجازها وفق المواصفات شيء آخر، ودخولها الخدمة واستفادة المواطنين منها بصورة مستدامة شيء ثالث.
والدليل على أهمية هذا التمييز أن مشروع الصرف الصحي الشامل للعاصمة، الذي تبلغ كلفة قطبه الأول 177 مليون دولار، ما زال في طور الإنجاز، مع آجال معلنة تصل إلى 45 شهراً. وهذا يؤكد أن الحديث عن حل الاختلالات لا ينبغي أن يسبق تحققها فعلياً.
الإشكالية الأعمق: أي عاصمة نريد، وأي دولة نريد؟
إن المواطن الموريتاني لا يعارض بناء الجسور، ولا يرفض تعبيد الطرق، ولا يضيق ذرعاً بالحدائق والساحات العامة. لكنه يريد أن يعرف لماذا تتقدم بعض المشاريع العمرانية بينما تظل احتياجاته الأساسية معلقة؟
ما قيمة شارع مضاء إذا كان المواطن لا يجد ماءً في منزله؟ وما جدوى واجهة حضرية جميلة إذا كانت القمامة تحاصر الأحياء؟ وما قيمة تشييد المدارس إذا لم تتوافر لها شروط التعليم الجيد، أو بناء المراكز الصحية إذا لم يجد المرضى الأطباء والأدوية والتجهيزات؟
ثم إن التنمية لا تنفصل عن المناخ السياسي والقانوني الذي تُدار فيه. فلا يستقيم الحديث عن بناء دولة عصرية مع التساهل في المساس بالدستور، أو التضييق على الحريات، أو تحويل القانون إلى أداة تخدم موازين القوة بدلاً من أن يكون مرجعية متساوية للجميع.
ولا يمكن أن تكون هناك عصرنة ذات مصداقية من دون إرادة جادة لمحاربة الفساد، ومراقبة الصفقات، ومحاسبة المقصرين، وضمان الشفافية في إدارة المال العام.
أعتقد أن موريتانيا لا تحتاج إلى عاصمة تبدو عصرية في الصور والخطابات بقدر حاجتها إلى دولة عصرية في مؤسساتها وقوانينها وخدماتها.
فالعصرنة الحقيقية تبدأ من الإنسان، ومن قدرته على العيش الكريم، ومن حقه في الماء والكهرباء والصحة والتعليم والعمل، ومن شعوره بأن القانون يحميه، وأن صوته مسموع، وأن المال العام ملك للمجتمع وليس امتيازاً للسلطة أو المقربين منها.
لا أريد أن أرى نواكشوط جميلة من الخارج ومثقلة بالأزمات من الداخل؛ ولا أريد أن تتحول العصرنة إلى عنوان لتجميل الواقع بدلاً من معالجة أسبابه.
فالوطن لا يُبنى بتحديث شوارعه وحدها، وإنما بتحديث عقليات إدارته، واحترام دستوره، وصيانة حريات مواطنيه، وحماية موارده، وإقامة العدل بين أبنائه.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً أمام القائمين على هذا البرنامج:
هل نعمل على عصرنة نواكشوط لتكون مدينة أفضل لسكانها، أم نكتفي بتجميل العاصمة بينما تزداد حياة مواطنيها صعوبة؟
ذلك هو الفارق بين عصرنة المظاهر، وصناعة التنمية الحقيقية.

زر الذهاب إلى الأعلى