Uncategorizedالأخبارجديد الأنشطةمقالات

بين إعادة ترتيب المجال السياسي وتحييد النفوذ الموازي: هل تتشكل قواعد جديدة للعبة؟

لا يمكن قراءة السجال الدائر بين بعض قادة الرأي وجماعة الإخوان المسلمين في موريتانيا بمعزل عن السياق السياسي الأوسع الذي يتجاوز حدود الخلاف الفكري أو التباين الأيديولوجي. فالأحداث السياسية الكبرى نادراً ما تكون معزولة عن محيطها، وغالباً ما تتقاطع فيها الرسائل المعلنة مع الإشارات الضمنية، وتتداخل فيها الحسابات الآنية مع رهانات المدى البعيد.

وفي هذا الإطار، يلفت الانتباه تزامن هذا الجدل مع مساعٍ رسمية متسارعة لتنظيم شريحة المتقاعدين من المؤسسة العسكرية والأمنية، ومنحها إطاراً قانونياً واجتماعياً جديداً، بما يوحي بأن الأمر يتجاوز مجرد معالجة مطالب فئوية مشروعة إلى محاولة أعمق لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة وبعض الفاعلين الذين ظلوا، بعد مغادرتهم الخدمة، يحتفظون بحضور مؤثر في المجال العام والسياسي.

ففي الدول التي لا تزال في طور ترسيخ تقاليد الدولة الحديثة، يبقى الانتقال من النفوذ الوظيفي إلى الفعل السياسي المدني قضية شائكة، لأن الحدود الفاصلة بين المجالين لا تكون دائماً واضحة أو مستقرة. ومن هنا يبرز السؤال حول ما إذا كانت هذه الإجراءات تمثل بداية توجه يرمي إلى إعادة رسم خطوط التماس بين المؤسسة العسكرية والسياسة، بحيث يصبح الفضاء المدني مجالاً حصرياً للتنافس السياسي، بينما تبقى المؤسسات النظامية بمنأى عن التجاذبات الحزبية والاصطفافات الانتخابية.

غير أن الإشكال لا يكمن فقط في الهدف المعلن، بل في الوسائل والسياقات والتوقيت. فكلما غابت الشفافية الكافية، واتسعت دائرة التأويلات، تحولت الإجراءات الإدارية إلى مادة سياسية مفتوحة على مختلف القراءات. وهو ما يفسر حالة الترقب التي ترافق هذه الخطوات، خصوصاً لدى النخب المهتمة بمستقبل التوازنات السياسية في البلاد.

ومن زاوية أخرى، يبدو أن المشهد يحمل مؤشرات على محاولة إعادة ترتيب الحقل السياسي برمته، لا على مستوى الفاعلين فقط، بل على مستوى الأدوار أيضاً. فالدولة التي تسعى إلى تعزيز مركزيتها وإحكام إدارة المجال العام تجد نفسها مطالبة بإقناع مختلف أجنحتها المدنية وشبه العسكرية بجدوى هذا التوجه، وبأن إعادة تنظيم النفوذ ليست استهدافاً لأحد بقدر ما هي محاولة لبناء قواعد أكثر وضوحاً للمشاركة السياسية.

وهنا يبرز التحدي الحقيقي؛ فإقناع الفاعلين المدنيين قد يكون أسهل من إقناع شخصيات راكمت على مدى عقود رصيداً رمزياً واجتماعياً وسياسياً انطلاقاً من خلفياتها العسكرية أو الأمنية. ذلك أن النفوذ المتولد من التاريخ الشخصي والعلاقات الاجتماعية لا يزول بمجرد صدور النصوص أو استحداث الأطر التنظيمية، بل يحتاج إلى توافقات سياسية وثقافة مؤسسية راسخة تجعل الجميع مقتنعاً بأن الاحتكام إلى القواعد الجديدة يصب في مصلحة الاستقرار الوطني.

أما القضايا الساخنة التي تتصدر المشهد من حين لآخر، فقد تتحول ــ بقصد أو بغير قصد ــ إلى أدوات لقياس ردود الأفعال، واختبار حدود الاصطفافات، وفتح شهية الرأي العام نحو نقاشات أكبر مما يظهر على السطح. ففي السياسة كثيراً ما تكون المعارك الظاهرة مجرد مقدمات لمعالجات أعمق تجري في الخلفية، وكثيراً ما تتحول الملفات الآنية إلى رسائل إنذار مبكرة للفاعلين المختلفين حول الاتجاه الذي يراد للمشهد أن يسير فيه.

ومع ذلك، فإن نجاح أي عملية لإعادة هندسة المجال السياسي يظل مرهوناً بقدرتها على تحقيق التوازن بين ضرورات بناء الدولة واحترام التعددية، وبين تنظيم النفوذ وعدم مصادرة الحق في المشاركة، وبين حماية المؤسسات الجمهورية وضمان حيوية الحياة الديمقراطية. فالدولة القوية ليست تلك التي تُقصي الفاعلين المختلفين، بل تلك التي تنجح في إخضاع الجميع لقواعد واحدة، واضحة وعادلة، لا تميز بين مدني وعسكري متقاعد، ولا بين موالٍ ومعارض، إلا بقدر التزامهم بالقانون واحترامهم لمقتضيات المصلحة الوطنية.

ولعل السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كانت السلطة قادرة على إطلاق هذا المسار، بل ما إذا كانت قادرة على بناء إجماع وطني حوله، لأن التحولات الكبرى لا تُقاس بقوة القرار عند صدوره، وإنما بقدرته على الاستمرار واكتساب الشرعية السياسية والمجتمعية مع مرور الزمن.

سيدي عيلال : مستشار جهوي

زر الذهاب إلى الأعلى